القرطبي

39

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

- يعني صدرها - على الأرض ، فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرى ( 1 ) عنه . وفي الموطأ وغيره أنه عليه السلام سئل : كيف يأتيك الوحي ؟ فقال : ( أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس ، وهو أشده علي ، فيفصم عني وقد وعيت ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول ) . قالت عائشة رضي الله عنها : ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد ، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا . قال ابن العربي : وهذا أولى ، لأنه الحقيقة ، وقد جاء " وما جعل عليكم في الدين من حرج " [ الحج : 78 ] . وقال عليه السلام : " بعثت بالحنيفية السمحة " . وقيل : القول في هذه السورة : هو قول لا إله إلا الله ، إذ في الخبر : خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان ، ذكره القشيري . قوله تعالى : إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا ( 6 ) إن لك في النهار سبحا طويلا ( 7 ) فيه خمس مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( إن ناشئة الليل ) قال العلماء : ناشئة الليل أي أوقاته وساعاته ، لان أوقاته تنشأ أولا فأولا ، يقال : نشأ الشئ ينشأ : إذا ابتدأ وأقبل شيئا بعد شئ ، فهو ناشئ وأنشأه الله فنشأ ، ومنه نشأت السحابة إذا بدأت وأنشأها الله ، فناشئة : فاعلة من نشأت تنشأ فهي ناشئة ، ومنه قوله تعالى : " أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين " [ الزخرف : 18 ] والمراد إن ساعات الليل الناشئة ، فاكتفى بالوصف عن الاسم ، فالتأنيث للفظ ساعة ، لان كل ساعة تحدث . وقيل : الناشئة مصدر بمعنى [ قيام الليل ] ( 2 ) كالخاطئة والكاذبة ، أي إن نشأة الليل هي أشد وطئا . وقيل : إن ناشئة الليل قيام الليل . قال ابن مسعود : الحبشة يقولون : نشأ أي قام ، فلعله أراد أن الكلمة عربية ( 3 ) ، ولكنها شائعة في كلام الحبشة ، غالبة عليهم ، وإلا فليس في القرآن ما ليس في لغة العرب . وقد تقدم بيان هذا في مقدمة الكتاب مستوفى .

--> ( 1 ) أي الوحي . ( 2 ) زيادة تقتضيها العبارة ، وهي كذلك في كتب التفسير . ( 3 ) في ا ، ح ، ل : ( غريبة ) راجع ج 1 ص 68 فما بعدها .